الشيخ محمد رشيد رضا

106

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرسل كلهم من الانس كما يدل عليه ظاهر الآيات كحصر الرسالة في الرجال وجعلها في ذرية نوح وإبراهيم ولذلك صرفوا النظم عن ظاهره وقالوا إن المراد بقوله منكم - من جملتكم - لا من كل منكم ، وهو يصدق برسل الانس الذين تثبت رسالتهم إلى الانس والجن وذكروا له شاهدا من الآن قوله تعالى ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) بعد قوله ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) الخ أي الملح والحلو وهو البحيرات وكبار الأنهار ، وهذا مبني على زعمهم أن البحار الحلوة لا يخرج منها لؤلؤ ولا مرجان ، والصواب أن اللؤلؤ يخرج من بعضها كبعض أنهار الهند ثبت ذلك قطعا واستدركه ( سايل ) مترجم الآن بالانكليزية على البيضاوي . وهو مما أخبر به الآن من حقائق الأكوان التي لم تكن معروفة عند العرب حتى في أيام حضارتهم واستعمارهم للاقطار . ذكر هذا الشاهد ابن جرير وتبعه به من بعده . وروي عن ابن جريج أنه قال في الآية : جمعهم كما جمع قوله ( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) ولا يخرج من الأنهار حلية . اه وقد علمت أن هذا خطأ ، ولفظ هذه الآية أبعد عن هذا التأويل من آية الرحمن بل هو يبطله وخرجه بعضهم من باب التغليب كقولهم أكلت تمرا ولبنا ( قال ابن جريج ) قال ابن عباس هم الجن الذين لقوا قومهم وهم رسل إلى قومهم اه يعني أن الرسل من الجن هم الذين تلقوا منهم الدعوة من رسل الانس وبلغوها لقومهم من الجن كالذين أنزل اللّه فيهم قوله في سورة الأحقاف ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) الآيات وهو مبني على جواز تسمية رسول الرسول رسولا وذكروا أن منه رسل أصحاب الية في أوائل سورة يس ( 36 : 12 - 20 ) وذكر ابن جرير أن المسألة خلافية وروي أن الضحاك سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال للسائل ألم تسمع إلى قول اللّه ( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) فقالوا بلى ؟ وذكر أن الذين يقولون بقول الضحاك يردون التأويل السابق بأنه خلاف المتبادر من اللفظ ولو صدق في رسل الجن لصدق في رسل الانس لعدم الفرق . وذكر غيره أن الضحاك استدل على ذلك بقوله تعالى ( 35 : 24 وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) ومثله قوله ( 10 : 47 وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ) وقوله ( 16 : 36 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي